Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog

إشكالية وضع المصطلح المتخصـــص

المعروف، تاريخيا، او بشكل اكثر دقة، المشهور تاريخيا، ان حركة الترجمة التي بلغت ذروتها في عهد المأمون، هي التجربة التي مرت بها اللغة العربية كلغة ناقلة للفكر المدون بلغات اخرى. ولقد مرت هذه التجربة بعدة اطوار في نقلها للفكر الفلسفي للمجال العربي، كما ان هذا النقل قد تم بتوسط لغات مختلفة اهمها السريانية ثم الفارسية، وتذكر المصادر التاريخية ان هناك نقولا تمت مباشرة من اللغة اليونانية. وكان لرداءة الترجمة وضعفها في اطوار الترجمة الاولى دور رئيس في ان لا يجد الفكر الفلسفي القبول في المجال التداولي العربي. ويعود ذلك ـ وفقا للدكتور طه عبد الرحمن ـ الى عدم تمكن الناقل من استيفاء مقتضيات المجال المنقول اليه، بل يعمل احيانا على مصادمة مألوف المجال المنقول اليه، ومن ثم ترسيخ الفروق وتشديد المصادمة بين المجالين، وهذا يرجع الى عدة اسباب منها القصور في ضبط المقتضيات التداولية العربية، وتجاهل مضمون العقيدة الاسلامية، والجهل بالتوجه العملي للمعرفة الاسلامية. ولئن تمكن المترجمون بعد ذلك من استصلاح وتنقيح بعض النقول والقيام بالشروحات والتلخيصات وتقريب اغراضها، والتي استمرت تشتكي من قلق العبارة حتى زمن ابن رشد، الا ان جميع هذه الجهود لم تحقق التنقيح الكامل، او قل انه حتى ذاك التاريخ لم تتحقق الترجمة التي تستطيع نقل المضمون الفكري الى المجال التداولي العربي بشكل يجذر هذا الفكر في الممارسة الفكرية العربية. ومنذ مطلع القرن العشرين اخذت الترجمة الى العربية في الازدهار، وحركة الترجمة الحالية يجب ان تستثمر الدراسات والنظريات الحديثة في الترجمة، كما تفيد من الارث الذي خلفته تجارب الترجمة في التراث الاسلامي، وان تكون على وعي تام بمقتضيات المجال التداولي العربي الاسلامي حتى يلقى ما تنقله من فكر القبول والانتشار واثراء مجال الممارسة، اذ ان التصادم الذي قد تحدثه الترجمة في نقل بعض المفاهيم والمصطلحات قد يؤدي الى وأد الفكر او المنهج المنقول في مهده، ويخسر الفكر العربي مناهج وتجارب فكرية كان يمكن لها ان تضيء مجالات اللامُفكر فيه في التراث العربي، وان تحفر معرفيا في مجالات لم تكن مناهج البحث آنذاك على وعي بها، فكل نظر مشروطة نتائجه بمناهجه.

 

………………………………………………………………………………………………

إشكالية وضع المصطلح المتخصـــص

 

                  وتوحيده وتوصيله وتفهيمه وحَوْسَبته

 

 

                                               د. محمـد الديـداوي

 

                                               مكتب الأمم المتحدة في جنيف

 

 

 

                   أَوَلسْنا نجد في لغة العلم سحر البيان وإعجاز الإيجاز ونور الدقـة؟ (سويسي 1982: 11).

 

                   لغة العلم هي"لغة الوضوح والدقة والبيان والسرعة" (مدكور 1971: 66).

 

                  

 

 

0.     مقدمة

 

        عربي اليوم، بالثقافة والتاريخ والجغرافية واللسان، تتنازعه الأهواء. وقد ورث لغة يحق له أن يباهي بها، بتكونها ومرونتها ودقتها وخصوصا ببيانها الذي بهر وحيّر وأعجز وأوجز. وهي اللغة الوحيدة المعمّرة التي تتجاوز مدة استعمالها وتداولها ما يربو على ألف وخمسمائة عام، إذ تبلورت بعد ظهور الإسلام وتدوين مخزونها. وقد تكاثر رصيدها الفعليّ وألفت فيها الروائع من نثر وشعر، وارتفع بها القرآن الكريم إلى أعلى علِّيين فجوّدها وصانها وأشاعها ورسّخها.كما أنها أثبتت ما أثبته من قدرة المسايرة وإمكانية الاستيعاب  ويُسر الاستحداث وتقبّل الاصطلاح، على مر الزمن. إلا أن هجمة الاستعمار وتأثيره السلبي إلى حد الساعة وضغط العولمة وهيمنتها إلى حد الاكتساح أدت إلى التأخير والتشكيك  والإدبار والمناوأة وإلى النظرة الدونية عند البعض. ورغم كيد الحاقدين وتكالب المتآمرين عليها، فإن العربية برهنت على عظمتها، لاسيما باتساعها للمصطلـح وتكييفها له لنقل العلوم والمعارف، مع بعض الاشكالات التي تشوبها وإن كانت لا تنفرد بها.

 

         الغرض من هذه الورقـة هو التطرق إلى موضوع المصطلح المتخصـص، الذي له قواسـم مشتركة في جميع ميادين المعرفة، وإلى ملابساته واقتراح ما من شأنه أن يساعد في أن يستقيم أمره ويؤدي رسالة العلم وهو عماده، مع الاهتمام بمجال الطب.     

 

 

1.    التعريب والتغريب

 

         المعلومة إما أن تكون موجودة ويتعين الوصول إليها ومعرفتها، وغالبا ما يكون ذلك بالإطلاع عليها في لغتها الأصلية أو بالترجمة منها، أو لا تكون موجودة ويسعى إلى ابتكارها. وهنا للتفكير باللغة الأم أبلغ الأثر، إذا كان المفكر ملما بدقائقها قادرا على الكتابة فيها وله رصيد كاف منها وكانت تلك اللغة ذات رصيد فعلي  ورصيد مفترض (أنظر الديداوي 2000 و2002) يؤهلانها للإبداع، أي أن آليتها مكتملة ولها إمكانات التطور والمسايرة ماضيا وحاضرا ومستقبلا. وفي كل الأحوال، يتعين استعمالها الفعلي لكي تتوسع وتتطور وتتكيف. وهنا تبرز أهمية التعريب.

 

         إن التعريب ضروري لأسباب تربوية ومهنية (أنظر الرخاوي 1997). فمن الناحية التربوية، تأكد أن المتعلم باللغة الأم أقدر على الفهم وتمثّل المعرفة. أما الجانب المهني، فيتّضح في قدرة العالم المعرب على التواصل مع مجتمعه، كالطبيب مع مرضاه، على سبيل المثال. إلا أن الطالب، وإن كان يقرّ بأن التدريس باللغة العربية أيسر عليه، ينصرف همّه إلى مشكلة العمل أو مواصلة الدراسة في البلاد الأجنبية بمادته المعرّبة وإلى انعدام أو قلّة المراجع بالعربية. وقد أثبتت التجربة أن الأطباء السوريين استطاعوا أن يعملوا في الخارج، لا بل إنهم لمعوا وتميّزوا وهم معرّبون، لابد إذن من مغالبة الأسباب النفسية والتغلّب عليها بالتدبير والتحسّب.

 

         ولن يرتقي المستوى العلمي والتعليمي في أي مجتمع من المجتمعات، ما لم يملك ذلك المجتمع زمام العلم ويطور لغة تعليمه وبحثه القومية التي هي الأقرب إليه وإلى وجدانه، بحيث تقدر على متابعة ما يستجدّ في المضمار المعرفي والثقافي والحضاري وعلى التبليغ، ذلك أن اللغة القومية هي الأقدر على القيام بهذا الدور الإنمائي أساسا، مع الاستعانة باللغات الأجنبية للأخذ عن المجتمعات الأخرى والاستفادة من تقدمها ومعارفها في إطار رؤية واضحة. ولن يكون في وسع المجتمع أن ينمو تربويا وثقافيا نموا شاملا إلا بتلك اللغة التي هي بمثابة المحرك الإنمائي الحقيقي. وبغير ذلك فإنه لا يعدو أن يعيش على القشور.

 

         وقد أجرى المركز الصحي الأمريكي الدولي تقييما لتجارب طلاب الطب من خريجي الجامعات السورية (أنظر شحرور على الموقع www.rafed.net/books/aam/aadab-tebeya/02.htm ) ، فطلب من 46 طبيبا سوريا يعيشون في الولايات المتحدة الأمريكية الإجابة على ستة أسئلة. وحسب الاستفتاء، لم يواجه 79% منهم أية صعوبات في فهم المصطلحات والتعابير الطبية المعرّبة في كلياتهم الطبية. واقترح هؤلاء الأطباء أن يبرع الأطباء العرب في اللغة الإنكليزية، التي هي اللغة العلمية الأكثر أهمية في العالم أو أن يلمّوا بها على الأقل، وتعليم اللغة الإنكليزية العامة والطبية التخصّصية بشكل جيد وصحيح نحويا لتكون المنطلق، وأن تنجز الترجمات يوميا وتتوفر لديها المصادر المالية الكافية ويجنّد لها عدد وافٍ من المترجمين المؤهلين، وتستحدث مديريات للترجمة التخصصية في كل الوزارات، وتنشأ لجان لتقييم ومراقبة نوعية الترجمة، ولا سيما الكتب الطبية الجامعية، وضمان إتباع طرق تدريسية حديثة، واستخدام المترجمين لمصطلحات طبية معاصرة مبسّطة مع تجنب التقعّر والغرابة.

 

         ونظرا لأهمية اللغة القومية، فقد توالت الدعوات إلى إحياء اللغة اللاتينية من موات لتكون إسمنـتا للوحدة الأوروبية ووسيلة للتقارب والتفاهم بين أقطار وشعوب أوروبا، لاسيما بعد أن يزداد عدد أعضاء الاتحاد الأوروبي إلى 25 دولة بحلول عام 2004 ويرتفع  تعداد اللغات من 11 إلى 20 لغة[1]. وهناك من يرى أن كثرة اللغات، وبعضها محدود الانتشار لا يتحدث به سوى 400 ألف نسمة، كالشأن في مالطة، قد يتسبب في سوء التفاهم، على الخصوص في البرلمان الأوروبي الذي سيضم 732 عضوا بعد التوسع[2].

 

         ومن المنادين بالعودة إلى اللاتينية فرنسواز فاكي، في كتابها اللاتينية أو إمبراطورية العلامة[3]، وتشير فيه بتدريس اللاتينية في صفوف المدارس الأوروبية منذ الصغر لتترسّخ في الأذهان وتتطبع عليها الألسنة وتكون أداة تواصل بين الشعوب الأوروبية. فما بال العرب، ولغتهم حية متطورة، هم عنها غافلون، لا يدرون عظمتها ومقدار دورها، ما بين مناصر ومتخاذل ومعتزّ ومتحامل؟

 

        

 

2.      الكتابة العلمية مفتاح العلوم 

 

         الكتابة العلمية عصبها المصطلح وقوامها مفهومه ولا فرق بينها وبين الكتابة الأصيلة إلا بهما وبكونها ترمي إلى منتهى الدقة وأقصى الإيجاز وغاية الإفادة والعلم. إنهما تشتركان في اقتضاء السلاسة والفصاحة والبلاغة والبيان، أي تسلسل عناصر الجملة وتناسقها وعدم تنافرها وتبليغ المراد منها وجلاء الفكرة من ورائها في أناقة وحسن ديباجة ، وإن كان ذلك في العلم أولى وأدعى وأنفع، لأنه السبيل إلى الرقي والنص فيه أداة المعرفة إذا تجلى ووعاؤها إذا استقام واستوفى.

 

         وإذا علمنا أن "الترجمة القوية لون من الإنشاء توجب ما يوجبه الكلام المبتكر من قوة الوصف والتأنّق في الصوغ" (مبارك [بدون تاريخ]:119).

 

       وينقسم نقل النصوص المتخصصة إلى  نوعين، أحدهما الترجمة والثاني التلخيص، الذي يدخل في باب التعريب، لأن المترجم ينقل إلى العربية وهو غير مقيد بالنص الذي ينطلق منه في اللغة المترجم منها.

 

         فبعد أن تضح المفاهيم المصطلحية، لن تكتمل الصورة وينجلي المقصود تماما، على العموم، إلا بمجالسة الأخصائي في الميدان قصد الاستفسار ومناظرته قصد التعمق. وإن التلخيص أصعب وأشد امتحانا للمترجم لأنه عليه أن يغوص في كنه المعنى ويمسك بخيوطه ويستخرج دقائقه وتفاصيله ويستبين جوهره، فيقدم خلاصة ما فهم وزبدة ما استوعب، في حين أن المترجم متى استحكم فهمه لفحوى المصطلح وتمكن من إيجاد المقابل المناسب له، فإنه يحتمل جدا أن يوصل المعنى تدريجيا إلى القارئ المتخصص الذي له إلمام بالموضوع ودراية بخلفيته، حتى وإن خفي عليه هو البعد الكامل لما قيل وما ذكر وما أضمر، شريطة أن يوفق في المصطلح ويبرع في الأداء. ومتى ترجمت نصوص متتالية من نفس الميدان المعرفي استأنس المترجم بمصطلحاتها وبحث واستجلى وقرأ ووعى، فإنه يصبح متخصصا في ترجمة ذلك الموضوع، وإن لم يتخصص فيه. لذا، فإن التخصص في الترجمة ممكن على صعوبته ويحصل بالمعايشة والممارسة والمواظبة. وهو مطلوب، حتى وإن كانت ترجمة العالم المتخصص ذي المقدرة اللغوية أنفع وأسلم.

 

 

3.     المصطلح قوام النص العلمي

 

        المصطلح هو روح النص العلمي ولا يتأتّى التفاهم والتطوير إلا بتحديد مفهومه ودلالته عن طريق التخطيط له وتنسيق نشاطه وتوحيده وتنميطه وتعريفه.

 

         وفي حين يلزم إحصاء كل ما وضع من مصطلحات ولمّ شتاتها، وهذا ما تسهّله الحوسبة في أيامنا هذه ولله الحمد، فإنه لابد من التوثيق الحسن باحتواء 

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :